وطــــنـــــى

سياسية متنوعة تهتم بحقوق الانسان المصرى

  • الارشيف – تدوينات سابقة

هل متاع الجنة جسماني أم روحاني؟

الموضوع:

هل متاع الجنة جسماني أم روحاني؟

الكاتب:

مركز الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية

الشبهة:

جاء في القرآن الكريم في وصف الجنة وأهلها: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ* مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ* يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ* لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ* وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ* وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ* وَحُورٌ عِينٌ* كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} [ الواقعة: 15 23] . فهذه جنة تناسب الميول الجسدية وتوافق الرغبات المادية، فبدل الصحراء المحرقة وعدهم بجنة {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الرعد: 35] وبدل النوم على الرمال وعدهم بجنة {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} [الغاشية: 13] {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 23] وبدل لبس وبر الجمال وعدهم بجنة {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}[ الحج: 23] وبدل القحط والمحل وعدهم بجنتيـن ملآنتيـن بالفاكهة {فِيهِمَـا فَاكِهَةٌ وَنَخْــلٌ وَرُمَّــانٌ} [ الرحمن 68] {وَأَعْنَابًا } [النبأ: 32] وبدل الخيام التي لا تقي من حر الصيف ولا زمهرير الشتاء وعدهم بقصور مشيدة {غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ} [ الزمر: 20] {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13] وبـدل النساء البدويات وعدهم بأزواج من الحور{وَزَوَّجْنَاهُـمْ بِحُــورٍ عِينٍ} [ الطور: 20] {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56] {أَبْكَارًا* عُرُبًا أَتْرَابًا} [ الواقعة: 36 , 37] وبدل الحرمان من الخدم وعدهم بولدان الحور يقدمون لهم ما لذ مـن الشراب {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيـقَ وَكَأْسٍ مِـنْ مَعِيــنٍ} [الواقعة: 17 , 18] {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} [الإنسان: 19] وبدل طعام الفاقة وعدهم باللحم {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور: 22]  {وَلَحْمِ طَيْـرٍ مِمّــــَا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 21] وبدل الجوع والفاقة وشظف العيش وعدهم بجنة {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15]، فأين هذه من قول المسيح: “في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء” (متى 22: 30)، وقوله: “لأن ليس ملكوت الله أكلا وشرباً، بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس” (رومية 14 : 17)؟!

 

الرد عليها:

أولاً:

 إن مراد الله عز وجل من خلقه أن يعبدوه ويعمروا الكون، وهذا الغرض لا يتحقق إلا أن يعدهم الله عز وجل بثواب عظيم في الآخرة يوافق ما يحبون وما يرغبون من جميع أنواع التنعيم الروحي منها والجسدي، ومن التنعيم الجسدي سائر أنواع الملذات التي أحلها الله ومجامع اللذات إما المسكن إما المطعم وإما المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] والمطعم بقوله: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] والمنكح بقوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصًا فبيّن تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال: { وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] فصارت الآية دالة على كمال التنعيم والسرور” ([1]).).

وإن كان من الناس من يعبد الله عز وجل ولا يطمع في جنة ولا في ثواب أخروي وإنما يعبد الله لذاته فقط حباً فيه ورداً لجميله عليه وعلى سائر الخلق إلا أن هذا الصنف من الناس قليل جداً0

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “والناس كإبل المائة لا ترى فيها راحلة” ([2]))، فمجموع الناس لا يقبلون على الله عز وجل إلا طمعاً في جنة أو هرباً من نار0

ثانياً:

في هذه الشبهة يحاول السائل أن يربط دين الإسلام بعرب الجاهلية وظروف حياتهم الصحراوية، ومن الردود على ذلك أن يقال: إن هذا الثواب الموعود به المؤمنون في سائر آيات القرآن الكريم ليس لأهل مكة والمدينة فقط من العرب الذين ذكرت من صفاتهم في الشبهة ما ذكرت وإنما هو لكل المؤمنين والمسلمين الذين يعيشون في سائر بقاع الأرض، فهل كل هؤلاء المسلمون وعدهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بمتاع ونعيم يوافق متاعباً حصلت لهم في الدنيا في المسكن والملبس والمطعم والمشرب0

ثالثًا:

أما القول بأن القرآن لم يذكر أن في الجنة سعادة روحية فهو محض افتراء منه؛  فقد ذكر الله في القرآن الكريم كل نعيم روحي، ولعل قمة هذا النعيم الروحي التي تفوق التسبيح هي رؤية الله عز وجل في الجنة ولا نعيم للروح فوق هذا النعيم، قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [ يونس 26]، وجمهور المفسرين على أن المراد بالزيادة في الآية الكريمة رؤية الله عز وجل0

يقول الإمام الآلوسي رحمه الله عز وجل: ” {وَزِيَادَةٌ} وهي النظر إلى وجه ربهم الكريم جل جلاله وهو التفسير المأثور عن أبي بكر وعلي كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس، وحذيفة، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وخلق آخرين، وروي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق شتى، وقد أخرج الطيالسي، وأحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو الشيخ، والدار قطني في الرؤية، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن صهيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا …} فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله تعالى موعدا ًيريد أن ينجزكموه فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه سبحانه فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم” ([3])).

رابعًا:

استدل السائل على مخالفة صفات الجنة الواردة في القرآن الكريم بهذين النصين من الكتاب المقدس؛ وهذان النصان يحتملان التأويل بأن يكون معنى الأول: ليس ملكوت الله- أي القيامة- أكلاً وشرباً فقط بل هو بر وسلام0

 والثاني: وفي القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون أي زواجاً معهوداً كزواج الدنيا، لا سيما وقد جاء هذا النص من الإصحاح في خصومة بين سبعة رجال كلهم تزوجوا امرأة واحدة ويسألون لمن تكون في الجنة فيكون الجواب بهذا المعنى ([4])).

خامسًا:

إن نعيم الجنة وعذاب النار مختلف عن أحوال الدنيا ومن ثم فقد منع علماء الإسلام قياس الغائب على الشاهد بمعني الاستشهاد بأحوال الدنيا على أحوال الآخرة؛ لأن العالم الأخروي لا يجري على مقاييس أهل الدنيا.

سر تنعيم الإنسان في الجنة بما ألف في الدنيا:

ولا شك أن التنعيم بجنس معهود للإنسان في الدنيا أقوى في التنعيم من شيء لم يعهده الإنسان في الدنيا، ولذلك جاء في حديث الضب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ” لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ” ([5])).

يقول الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: “وأودع في النفوس حب ذلك فإما لأن الله تعالى أعد نعيم الصالحين في الجنة على نحو ما ألفته أرواحهم في هذا العالم فإن للإلف تمكنا من النفوس والأرواح بمرورها على هذا العالم عالم المادة اكتسبت معارف ومألوفات لم تزل تحن إليها وتعدها غاية المنى؛ ولذا أعد الله لها النعيم الدائم في تلك الصور0 وإما لأن الله تعالى حبب إلى الأرواح هاته الأشياء في الدنيا؛ لأنها على نحو ما ألفته في العوالم العليا قبل نزولها للأبدان لإلفها بذلك في عالم المثال، وسبب نفرتها من أشكال منحرفة وذوات بشعة عدم إلفها بأمثالها في عوالمها.” ([6])).


([1]) مفاتيح الغيب 2 / 126 0

([2]) أخرجه البخاري كتاب الرقاق باب رفع الأمانة- حديث( 6133 )، ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب قوله صلى الله عليه وسلم الناس كالإبل مائة – حديث (2547).

([3]) روح المعاني 11 / 149 0والحديث من سنن ابن ماجة، المقدمة، باب فِيمَا أَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ ، حديث رقم 192.

([4]) انظر إنجيل متى (22 ، 23 : 30) ورسالة أهل رومية (14 ، 15 : 17) 0

([5]) أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل حتى يسمى له فيعلم ما هو 5/2060 حديث 5076 0

([6]) التحرير والتنوير 1 / 353.

8 تعليقات إلى “هل متاع الجنة جسماني أم روحاني؟”

  1. yasmin elkadi قال

    اولا بشكرك تانى على المعلومات دى وبحييك على مدونتك الجميلة والعميقة جدااااااا والله مش تثبيت
    ثانيا:فى مثل شعبى مصري بيقول(اللى ميعرفش يقول عدس) وهذا هو تماما لمن اختلق تلك الشبهات لماذا؟ لأن بكل بساطة حالة الانسان بعد البعث سوف تختلف تماما ..وفطرته وطباعه يعنى مثلا مسألناش نفسنا هو احنا مش هنزهق(ال يعنى ملايكة الجنة هيشدونا عليها بالعافية) والاجابة كما قالها العلماء ان الطبيعة البشرية وغريزة حب العيش فى منحنى اى على حالات مختلفة سوف تختلف ايضا…طبيعة المرأة سوف تختلف لن تغير من حور العيييييييييييين مش فاهمة ازاى بس ماشي …اى باختصار اذا حاول المرء ان يدخل عقله بحجمه فى كل شئ لأحرج عقله نظرا لمحدودية قدراته …وشكراااا(تصفيق حاد)

  2. غير معروف قال

    جزاك الله خيرا
    سبحان الله وبحمده كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه

  3. هنا قال

    عاوزين نعرف حياة البرزج اى بعد الموت وقبل البعث

  4. MOSH MOHEM قال

    جزاك الله خير على هذه المعلومات الجميلة وأحب أضيف أن الجنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
    وإن كان بعض المغرضين التافهين ينقدون عن جهل مثل هذه الأمور في بعض المدونات المغرضة الخبيثة ولكن بعون الله الإسلام أقوى وأرسخ في صدور ونفوس أبنائه ومرة أخرى بارك الله فيك وفي مدونتك الغالية ….. دمت لنا زخرا

  5. رنوة قال

    اللهم احسن خواتيم اعمالنا ولا تخزلنا يوم العرض عليك واسترك يا كريم فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك

  6. amjed قال

    اللهم اجعلنا وإياكم ممن يتنعمون بالجنة … اللهم آمييين

  7. amjed قال

    اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يارب العالمين

  8. غير معروف قال

    ربنا يخليكم الحوريات
    بجنة السكس و البورن بتعتكم
    ههههههههههههههه

اترك رد

XHTML: يمكنك استخدام هذه الوسوم: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <pre> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>